الشيخ محمد رشيد رضا

274

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بيان للنعيم الروحاني بعد ذكر النعيم الجثماني ، فان رضاء اللّه تعالى عنهم ورضاءهم عنه هو غاية السعادة الأبدية في نفسه ، وفيما يترتب عليه من عطاياه تعالى واكرامه ، ومن كونهم يكونون ناعمين بذلك الإكرام مغتبطين به ، إذ لا مطلب لهم أعلى منه فتمتد أعناقهم اليه ، وتستشرف قلوبهم له حتى يتوقف رضاهم عليه ، وأما كونه سعادة في نفسه فيعلم من حال كل من كان في كنف انسان والد أو أستاذ أو قائد أو رئيس أو سلطان فان علمه برضاه عنه يجعله في غبطة وهناء وطمأنينة قلب ، ويكون سروره وزهوه بذلك على قدر مقام رئيسه الراضي عنه ، على حد البيت الذي يتمثل به الصوفية : قوم تخالجهم زهو بسيدهم * والعبد يزهى على مقدار مولاه على أن رضاء رؤساء الدنيا لا يستلزم رضاء المرءوسين دائما ، لان منهم الظالمين الذين لا يوفون أحدا حقه وان كانوا راضين عنه ، ورضاء أكرم الأكرمين يستلزم رضاء من رضي هو عنه لأنه يعطيه أضعاف ما يستحق ، وفوق ما يؤمل ويرجو ، كما قال تعالى في سورة ألم السجدة ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) ورضوانه تعالى فوق كل شيء كما قال في سورة التوبة بمعنى ما هنا ( وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) والفوز الظفر بالمطلوب مع النجاة من ضده أو مما يحول دونه . - وقال الراغب : الفوز الظفر بالخير مع حصول السلامة . - فمعناه مركب من سلب وايجاب ، كما يدل عليه قوله تعالى ( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ) واطلاقه على الظفر بالمطلوب وحده - كما في الآية التي نفسرها وآية التوبة التي بمعناها وما يشابهها - مراعى فيه المعنى السلبي بالقرائن الحالية ، كما يقال في الجيش الذي يغلب عدوه ويظفر بالغنائم منه : انه فاز ، وهو إذا نال مراده من هدم قلعة ودك حصن فملك تحت أنقاضه فلا يقال إنه قد فاز . وإذا كان المهم في الفوز المعنى الايجابي يعدى بالباء فيقال : فاز بكذا ، وإذا كان المهم بيان المعنى السلبي يعدى بمن فيقال : فاز من الهلاك ، قال تعالى ( فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ ) وانما سميت الفلاة مفازة على سبيل التفاؤل لأنها مظنة الهلاك